الشنقيطي

77

أضواء البيان

والملك الذي لا يعلم ولم يتقدس عن النقص لا هيمنة له على ملكه . فإذا اجتمع كل ذلك وتلك الصفات : العلم والملك والتقديس والهيمنة ، حصل الكمال والجلال ، ولا يكون ذلك إلا لله وحده العزيز الجبار المتكبر ، ولا يشركه أحد في شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون ، هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى . وهنا ، في نهاية هذا السياق يقف المؤمن وقفة إجلال وتعظيم لله . فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد . والبارىء الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير ، وليس كل من قدر شيئاً أوجده إلا الله . والمصور المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها ، ولم يفرد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا الله سبحانه وتعالى ، كما هو موجود في خلق الله للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه . وبالرجوع مرة أخرى إلى أول السياق ، فإن الخلق والتقدير لا بد أن يكون بموجب العلم سواء كان في الحاضر المشاهد أو للمستقبل الغائب ، وهذا لا يكون إلا لله وحده عالم الغيب والشهادة ، فكان تقديره بموجب علمه والملك القدوس القادر على التصرف في ملكه يوجد ما يقدره . والمهيمن : يسير ما يوجده على مقتضى ما يقدره . والذي قدر فهدى ، العزيز الذي لا يقهر الجبار الذي يقهر كل شيء لإرادته ، وتقديره ، ويخضعه لهيمنته . المتكبر الذي لا يتطاول لكبريائه مخلوق ، وأكبر من أن يشاركه غيره في صفاته ، تكبر عن أن يماثله غيره أو يشاركه أحد فيما اختص به سبحان الله عما يشركون . وفي نهاية السياق إقامة البرهان الملزم وانتزاع الاعتراف والتسليم ، * ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ ) * وهو أعظم دليل كما تقدم ، وهو كما قال : دليل الإلزام ، لأن الخلق لا بد لهم من خالق ، وهذه قضية منطقية مسلمة ، وهي أن كل موجود لا بد له من موجد ، وقد ألزمهم في قوله تعالى : * ( أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) * ، وهذا بالسير ، والتقسيم أن يقال : إما خلقوا من غير شيء خلقهم أي من العدم ، ومعلوم أن